السيد محمد حسين الطهراني

72

معرفة الإمام

النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، فأمره أن يمكث مُحْرِماً . » « 1 » ولكن ينبغي العلم أنّ ما ذكرناه من مجيء أمير المؤمنين عليه السلام إلى مكّة ورؤيته الزهراء عليها السلام بلباس صبيغ ، وعطر ، وكحل ، وذهابه إلى رسول الله سائلًا عن ذلك ، كلّ أولئك يدلّ على أنّ أوّل لقاء بين رسول الله وأمير المؤمنين بعد سفرة اليمن كان في مكّة . وهذا يغاير ما ذكره الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ من حديث عِكْرَمة عن ابن عبّاس بقوله : إنَّ عَلِيَّاً تَلَقَّي النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ [ وآله ] وَسَلَّمَ إلَى الْجُحْفَة . « 2 » وكذلك ما ذكره الشيخ المفيد في « الإرشاد » ، قائلًا : فلمّا قارب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى مكّة من طريق المدينة ، قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن ، وتقدّم الجيش للقاء النبيّ ، فلمّا رآه قال له : « أقم على إحرامك وعُدْ إلَى جَيْشِكَ فَعَجِّلْ بِهِمْ حتّى نَجْتَمِعَ بِمَكَّةَ إن شَاءَ اللهُ » . « 3 » إنّ عليّ بن أبي طالب رجل الحقّ والعدالة ؛ لذلك لم يرق له أن تهدر حقوق الآخرين ولو قيد أنملة ؛ وأمّا الناس فهم غافلون عن هذه الالتفاتات الدقيقة والمركّزة ، إذ لا يرون التلاعب ببيت المال ، والتصرّف بالحلل والإبل انتهاكاً ، ويحسبون التزيّن محموداً حتّى لو كان على حساب حقّ الله وحقوق الضعفاء ، ويرون عكس ذلك مذموماً . وأمّا عليّ ، فليس من شيمته التنازل عن العدالة المحضة ، ومداهنة جيشه في التصرّف بالأموال ، لأنّ في هذا النهج ظلماً تسري عدواه تدريجيّاً فتتّسع دائرته ويسفر عن ظلم أكبر كظلم الخلفاء الآخرين .

--> ( 1 ) - « البداية والنهاية » ج 5 ، ص 106 . ( 2 ) - « البداية والنهاية » الطبعة الأولى بمصر ، سنة 1351 ه - ، مطبعة السعادة ، ج 5 ، ص 168 . ( 3 ) - « الإرشاد » للشيخ المفيد ، الطبعة الحجريّة ، ص 93 و 94 .